الزمان الذي جمَّعنا يوماً .. عاد ففرقنا. لم أرَ في عينهيا حين قابلتها للمرة الأخيرة غير نظرةٍ يائسةٍ من البقاء... ودعتها .. لا أتذكر الكلمات التي تفوهت بها ساعتها .. لا أعرف حتى إن كنتُ قد تكلمتُ .. فقد كان للموقف كآبته وحِدَّتُه وارتباكه.. كل ما أذكره أنني جلستُ بعدها في ظلمة غرفتي أقاوم دموعي .. أحاربُ مشاعرَ احتدادي .. أسكِّنُ ألمي بصتٍ فكريٍّ أدخلني في حالةٍ من اللاوجود.
.
ثم في شيءٍ من الألم الذاهل، حاولتُ أن ألخِّصَ نفسي في قصيدة - (لكَمْ أكرهُ هذا منِّي .. لكنها تبدو أحياناً الوسيلة الوحيدة للهروب من خذلان كلماتي لي) - فشلتُ .. خرجتُ لألتقي أصدقائي .. وفي جلسة السمرِ المعهودة على مقاعدِ المقهى .. في هواء الشارع الملبد بغيومِ سخطٍ عام التقطته هوائيات ألمي بسهولة .. وجدتني أفلت بأفكاري منهم .. إليها .. إلى لحظة الجرح .. لم أستطع أن ألقي باللوم على إيانا؟ لكن، من ألوم حتى أهرب من إمكانية تأنيب ذاتي الذي أجدني متجهاً نحوه لا محالة .. من الملوم إذن؟ أهو الزمن العاري من الصحة الذي لفتنا أسواره؟ أهم من يحيطون بها من بشر تعلقت عقولهم من أعناقها بأحبال الماضي؟ أهو الضعف الذي اعتاد أن يغلف كلماتي وآهاتي وصرخاتي بالصمت؟ ... لست أدري .. إنني لا أكذب عليكم .. إنني حقاً لست أدري.
مرت أيامٌ لا أريد أن أعدها .. تباعدتْ بها وفيها خطواتنا .. لكن أبداً لم تتباعد مشاعر مودتنا .. كنتُ ألمسُ هذا في كل نظرة لقاء جمعنا في تقاطعات خيوط مسيرنا. سمحت لنا الظروف ذات مرةٍ بخلوةٍ رقيقة حفرت نفسها في ذاكرتي تماماً مثل لحظة الفراق الأول .. تحدثنا صراحةً .. لم تنسني أبداً .. هكذا قالت .. وصدقتها .. لأنها أيضاً لم تغادر مطارات ذاكرتي .. سألتْني إن كنتُ لا أزال أسمح لنبضةٍ من نبضات قلبي أن تدق لها .. كدتُ أقول بل كل نبضات قلبي يا حبيبتي .. لكنني اكتفيتُ ببعضِ الحقيقة .. فأجبتُ بالإيجاب .. نعم .. كانت الحقيقة أكبر مني .. ومنها.
إنتهتْ لحظةُ اللقاء التي اختصَرتْ عمرينا بين دفتيها ... وذهبَتْ .. غابت ثانيةً .. إلا عن عيون ذاكرتي وعمق انفعالاتي ومشاعر قوتي .. وانكساري. عدتُ لأجلسَ في ظلمةِ غرفتي .. في غمرةِ انتفاضةٍ لم أعرف كنهها داهمتني التساؤلات .. هل يمكن لتمائم النسيان التي تعبث بها أصابعنا في ساعات خلوتنا أن تطيل مفعولها حتي يضم النوم أجفاننا؟ .. هل يمكن للخطى الساعيةِ ما بين قلوبنا وأوراقِ دفاترنا أن تقلع قليلاً عن رغبتها الملحةِ في التجول؟ .. هل يمكن لأصوات الصمتِ أن تتركَ ضوضاء الجسد تبتلعنا مؤقتاً إلى أعماقِ الراحةِ الذاهلة؟ ..
فتحتُ عيني بعد إغماضةٍ طالت أم قصُرتْ بحسابات هذا الزمن الكاذب .. جففتُ وجناتي الساخنة مما تدفق عليها من دموع .. وخرجتُ .. آلمَ الضوءُ عينيّ .. أغلقتهما .. فتحتهما .. تأبطتُ الجرائد التي اصطحبتها بحكم العادةِ لدى مغادرتي الغرفة .. سرتُ خارجاً من منزلي .. متجهاً إلى ساحات الصخَبْ ...
.
القاهرة، يناير 2008
